عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

418

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في معنى قوله : « رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ » ] قال المفسرون : إنه - عليه ( الصلاة و ) السلام - لما فاتته صلاة العصر لاشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقربا إلى اللّه تعالى ، وبقي منها مائة ، فالخيل التي في أيدي الناس اليوم ، من نسل تلك المائة ، قال الحسن : فلما عقر الخيل ، أبدله اللّه - عزّ وجلّ - خيرا منها وأوسع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء « 1 » . قال ابن الخطيب : وهذا عندي بعيد لوجوه : الأول : أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم أي اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل ، بل لو قيل : مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق ، أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر والذبح . الثاني : أن القائلين بهذا القول جمعوا على سليمان - عليه ( الصلاة و ) السلام - أنواعا من الأفعال المذمومة . فأولها : ترك الصلاة . وثانيها : أنه استولى عليه الاشتغال بحبّ الدنيا حيث نسي الصلاة وقال - عليه ( الصلاة و ) السلام - : ( حبّ ) « 2 » الدّنيا رأس كلّ خطيئة « 3 » . وثالثها : أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة البتة . ورابعها : أنه خاطب رب العالمين بقوله : « رُدُّوها عَلَيَّ » وهذه كلمة لا يقولها الرجل الحصيف « 4 » إلا مع الخادم الخسيس . وخامسها : أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل من سوقها وأعناقها وقد « نهى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة » ، وهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان - عليه ( الصلاة و ) السلام - مع أن لفظ القرآن لم يدلّ على شيء منها . وخلاصتها : أن هذه القصص إنما ذكرها اللّه تعالى عقيب قوله : « وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ » وأن الكفار لما بلغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال اللّه عزّ وجلّ لمحمد - عليه ( الصلاة و ) السلام - : يا محمد اصبر على سفاهتهم ، واذكر عبدنا داود ، ثم ذكر عقيبه قصّة سليمان فكان التقدير أنه تعالى قال لمحمد - عليه ( الصلاة و ) السلام - : يا محمد اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان . وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا : إن سليمان - عليه

--> ( 1 ) الرازي 26 / 205 . ( 2 ) سقطت من ب . ( 3 ) اختلف في هذا القول فقيل : إنه من قول منصور البجلي . وهو قول ابن تيمية . وعن ابن أبي الدنيا : أنه من قول مالك بن دينار . ومن قائل : إنه من قول عيسى ابن مريم وقال البيهقي وأبو نعيم في الحلية إنه للثوري . وانظر : المقاصد الحسنة 182 و 183 . ( 4 ) في ب : الحسيف لحن .